ابن كثير
43
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
جمال رجال بني الحارث بن كعب ، قال : يقول من رآهم من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم ؛ وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلّون ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « دعوهم » فصلوا إلى المشرق ، قال : فكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم أبو حارثة بن علقمة ، والعاقب عبد المسيح ، والسيد الأيهم وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم يقولون : هو اللّه ، ويقولون : هو ولد اللّه ، ويقولون : هو ثالث ثلاثة ، تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا . وكذلك قول النصرانية . فهم يحتجون في قولهم هو اللّه ، بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا ، وذلك كله بأمر اللّه . وليجعله اللّه آية للناس ، ويحتجون على قولهم بأنه ابن اللّه يقولون : لم يكن له أب يعلم ، وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله « 1 » ، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول اللّه تعالى : فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون : لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت ، ولكنه هو وعيسى ومريم - تعالى اللّه وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا - ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن ، فلما كلمه الحبران ، قال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أسلما » قالا : قد أسلمنا ، قال : « إنكما لم تسلما فأسلما » . قالا : بلى قد أسلمنا قبلك . قال : « كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما للّه ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير » . قالا : فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنهما فلم يجبهما ، فأنزل اللّه في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها . ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها « 2 » إلى أن قال : فلما أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخبر من اللّه والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك ، فقالوا : يا أبا القاسم ، دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ، ثم انصرفوا عنه ، ثم خلوا بالعاقب ، وكان ذا رأيهم فقالوا : يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فقال : واللّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لا عن قوم نبيا قط ، فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ، فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا أبا القاسم ، قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا ، فإنكم عندنا رضا .
--> ( 1 ) عبارة السيرة : « وقد تكلم في المهد ، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله » وهي أوضح . ( 2 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 576 - 583 .